فخر الدين الرازي
243
تفسير الرازي
وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوى عزي ( 25 ) ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب حاجة فيه إلى تكلف عمل ، وبعد الهواء الماء ، إلا أنه لما كانت الحاجة إلى الماء أقل من الحاجة إلى الهواء جعل تحصيل الماء أشق قليلاً من تحصيل الهواء ، وبعد الماء الطعام ، ولما كانت الحاجة إلى الطعام أقل من الحاجة إلى الماء ، جعل تحصيل الطعام أشق من تحصيل الماء ، ثم تتفاوت الأطعمة في درجات الحاجة والعزة فكل ما كانت الحاجة إليه أشد ، كان وجدانه أسهل ، وكل ما كان وجدانه أعسر كانت الحاجة إليه أقل ، والجواهر لما كانت الحاجة إليها قليلة جداً ، لا جرم كانت عزيزة جداً ، فعلمنا أن كل شيء كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل ، ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله تعالى أشد من الحاجة إلى كل شيء فنرجو من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجداناً ، قال الشاعر : سبحان من خص العزيز بعزه * والناس مستغنون عن أجناسه وأذل أنفاس الهواء وكل ذي * نفس فمحتاج إلى أنفاسه ثم قال تعالى : * ( وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : المعنى وليعلم الله من ينصره ، أي ينصر دينه ، وينصر رسله باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين بالغيب أي غائباً عنهم . قال ابن عباس : ينصرونه ولا يبصرونه ، ويقرب منه قوله تعالى : * ( إن تنصروا الله ينصركم ) * ( محمد : 7 ) . المسألة الثانية : احتج من قال بحدوث علم الله بقوله : * ( وليعلم الله ) * والجواب عنه أنه تعالى أراد بالعلم المعلوم ، فكأنه تعالى قال : ولتقع نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام ممن ينصره . المسألة الثالثة : قال الجبائي : قوله تعالى : * ( ليقوم الناس بالقسط ) * فيه دلالة على أنه تعالى أنزل الميزان والحديد ، ومراده من العباد أن يقوموا بالقسط وأن ينصروا الرسول ، وإذا كان هذا مراده من الكل فقد بطل قول المجبرة أنه أراد من بعضهم خلاف ذلك جوابه : أنه كيف يمكن أن يريد من الكل ذلك مع علمه بأن ضده موجود ، وأن الجمع بين الضدين محال ، وأن المحال غير مراد . المسألة الرابعة : لما كانت النصرة قد تكون ظاهرة ، كما يقع من منافق أو ممن مراده المنافع في الدنيا ، بين تعالى أن الذي أراده النصرة بالغيب ، ومعناه أن تقع عن إخلاص بالقلب ، ثم بين تعالى أنه قوي على الأمور عزيز لا يمانع . قوله تعالى : * ( ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب ) * واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أرسل الرسل بالبينات والمعجزات ، وأنه أنزل الميزان والحديد ، وأمر الخلق بأن